أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
33
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدهما : أنه خبر كان تقديره : وما كان هذا القرآن افتراء أي : ذا افتراء أو جعل نفس المصدر مبالغة ، أو يكون بمعنى مفترى . والثاني : زعم بعضهم أن « أَنْ » هذه هي المضمرة بعد لام الجحود والأصل : وما كان هذا القرآن ليفتري ، فلما حذفت لام الجحود ظهرت « أَنْ » وزعم أن « اللام » و « أَنْ » يتعاقبان فتحذف هذه تارة ، وتثبت الأخرى ، وهذا قول مرغوب عنه ، وعلى هذا القول يكون خبر كان محذوفا ، و « أَنْ » وما في حيزها متعلقة بذلك الخبر ، وقد تقدم تقرير ذلك محررا . و « مِنْ دُونِ » متعلق ب « يُفْتَرى » ، والقائم مقام الفاعل ضمير عائد على القرآن . قوله : وَلكِنْ تَصْدِيقَ عطف على خبر « كانَ » ووقعت « لكِنْ » هنا أحسن موقع ، إذ هي بين نقيضين وهما : الكذب والتصديق المتضمن للصدق . وقرأ الجمهور « تَصْدِيقَ » و « تَفْصِيلَ » بالنصب وفيه أوجه : أحدهما : العطف على خبر « كانَ » وقد تقدم ذلك ، ومثله : ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ . « 1 » والثاني : أنه خبر « كانَ » مضمرة تقديره : ولكن كان تصديق ، وإليه ذهب الكسائي والفراء ، وابن سعدان « 2 » والزجاج ، وهذا كالذي قبله في المعنى . والثالث : أنه منصوب على المفعول من أجله لفعل مقدر أي : وما كان هذا القرآن أن يفترى ، ولكن أنزل للتصديق . والرابع : أنه منصوب على المصدر بفعل مقدر أيضا ، والتقدير : ولكن يصدق تصديق الذي بين يديه من الكتب . وقرأ عيسى بن عمر « تصديق » بالرفع ، وكذلك التي في يوسف ووجهه الرفع على خبر المبتدأ محذوف ، أي : ولكن هو تصديق ومثله قوله : 2617 - ولست الشّاعر السّفساف فيهم * ولكن مدرة الحرب العوان « 3 » برفع « مدرة » على تقدير : أنا مدرة . وقال مكي « ويجوز عندهما - أي الكسائي والفراء - الرفع على تقديره : ولكن هو تصديق » . قلت : كأنه لم يطلع على أنها قراءة « وزعم الفراء وجماعة أن العرب إذا قالت : « ولكنّ » بالواو آثرت تشديد النون ، وإذا لم تكن الواو » آثرت التخفيف ، وقد ورد في قراءات السبعة التخفيف والتشديد نحو : وَلكِنَّ الشَّياطِينَ « 4 » - وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى . « 5 » قوله : لا رَيْبَ فِيهِ فيه أوجه : أحدها : أن يكون حالا من « الْكِتابِ » وجاز مجيء الحال من المضاف إليه ، لأنه مفعول في المعنى ، والمعنى : وتفصيل الكتاب منتفيا عنه الريب . والثاني : أنه مستأنف فلا محل له من الإعراب .
--> ( 1 ) سورة الأحزاب ، آية : ( 40 ) . ( 2 ) محمد بن سعدان أبو جعفر الضرير الكلوفي النحوي إمام كامل مؤلف الجامع والمجرد وغيرهما وله إختيار لم يخالف فيه المشهور ، ثقة عدل توفي يوم الأحد من سنة إحدى وثلاثين ومائتين الغاية ( 2 / 143 ) . ( 3 ) البيت من شواهد البحر ( 5 / 157 ) والسفساف : الرديء . ( 4 ) سورة البقرة ، آية : ( 102 ) . ( 5 ) سورة الأنفال ، آية : ( 17 ) .